الشنقيطي
77
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) [ آل عمران : 171 ] وقوله هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 ) [ الرحمن : 60 ] والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا . وفي هذا المعنى الكريمة سؤلان معروفان عند العلماء : الأول - أن يقال أين خبر « إنّ » في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ؟ فإذا قيل : خبرها جملة إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) توجه السؤال . الثاني - وهو أن يقال : أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم « إنّ » ؟ . اعلم أن خبر « إنّ » في قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قيل هو جملة أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [ الكهف : 30 - 31 ] وعليه فقوله : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) جملة اعتراضية . وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه . وقيل : « إنّ » الثانية واسمها وخبرها ، كل ذلك خبر « إنّ » الأولى . ونظير الآية من القرآن في الإخبار عن « إن » ب « إن » وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة « الحج » : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الحج : 17 ] الآية ، وقول الشاعر : إن الخليفة إن اللّه ألبسه * سربال ملك به ترجى الخواتيم على أظهر الوجهين في خبر « إن » الأولى في البيت . وعلى هذا فالجواب عن السؤال الثاني من وجهين : الأول - أن الضمير الرابط محذوف ، تقديره : لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا : كقولهم : السمن منوان بدرهم ، أي منوان منه بدرهم ، كما تقدم في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [ البقرة : 234 ] الآية . أي يتربصن بعدهم . الوجه الثاني - أن مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وإذا كان الذين آمنوا ، ومن أحسن عملا ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير . وهذا هو مذهب الأخفش ، وهو الصواب ؛ لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى . قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ - إلى قوله - وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 ) [ 31 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملا ، فذكر أنه جنات عدن تجري من تحتهم فيها الأنهار ، ويحلون فيها أساور الذهب ، ويلبسون فيها الثياب الخضر من السندس والإستبرق ، في حال كونهم متكئين فيها على الأرائك وهي السرر في الحجال والحجال : جمع حجلة وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة . ثم أثنى على ثوابهم بقوله : نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ( 31 ) : وهذا الذي بينه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين